أحكام تأخير تطبيق المادة 140 طباعة إرسال إلى صديق
السبت, 31 يناير 2009 23:37
 
 
 
 
 
 
 
 
 
المشكلات العملية والحلول القانونية
الدكتور منذر الفضل

حددت المادة 140 من الدستور العراقي خارطة الطريق لمعالجة ملف مدينة كركوك والمناطق المتنازع عليها والسقف الزمني لتطبيقها , ونصت على مسؤولية السلطة التنفيذية المنتخبة للقيام بذلك طبقا للدستور . وتتلخص هذه المسؤولية أولا بأنجاز عمليات تطبيع الأوضاع في كركوك والمناطق المتنازع عليها والتي تعرضت للتعريب والتخريب والتجاوزات غير القانونية ومنها التغيرات الديموغرافية واقتطاع عدد من الاقضية والنواحي والأراضي من الحدود الادارية لكوردستان والتي قام بها نظام البعث – صدام , وثانيا القيام بعمليات الأحصاء السكاني , وثالثا ينتهي واجب السلطة التنفيذية دستوريا بأستفتاء في مدينة كركوك والمناطق الاخرى المتنازع عليها لتحديد إرادة مواطنيها وفقا للفترة الزمنية المحددة في الدستور وأقصاها هي نهاية يوم 31 -12-2007 . وللأسف فقد حصلت تأخيرات عمدية أو بسسبب الأهمال من الحكومات السابقة منذ إنجاز الدستور وحتى الأن .
وحين جاءت حكومة السيد نوري المالكي تعهد سيادته في الفقرة 22 من برنامج حكومته على حل هذه المشكلة حلا دستوريا وقانونيا وفقا لخارطة زمنية نالت موافقة الكتل السياسية ومنها قائمة التحالف الكوردستاني شريطة أن تلتزم الحكومة الفدرالية ببنود البرنامج ,حيث جاء في الفقرة المشار اليها ما يلي :
(( 22 ـ تلتزم الحكومة بتنفيذ المادة 140 من الدستور، والمعتمدة على المادة 58 من قانون إدارة الدولة والمتمثلة بتحديد مراحل ثلاث: التطبيع والإحصاء والاستفتاء في كركوك وغيرها من المناطق المتنازع عليها، وتبدأ الحكومة إثر تشكيلها في اتخاذ الخطوات اللازمة لإجراءات التطبيع بما فيها إعادة الأقضية والنواحي التابعة لكركوك في الأصل وتنتهي هذه المرحلة في 29/3/2007 حيث تبدأ مرحلة الإحصاء فيها من 31/7/2007 وتتم المرحلة الأخيرة وهي الاستفتاء في 15/11/2007. )).
ونود الأشارة من البداية بأن نص المادة 140 من الدستور لا تتعلق بموضوع كركوك فقط و إنما تخص كذلك المناطق الأخرى المتنازع عليها والداخلة أصلا في نطاق الحدود الادارية لكوردستان مثل قضاء مخمور وسنجار ومندلي وخانقين وزرباطية وغيرها من المناطق المعروفة والثابتة في الخرائط قبل إتفاقية أذار في عام 1970وتتناول أيضا تعديل الحدود الأدارية لبعض المحافظات الجنوبية أيضا مثل السماوة وكربلاء ومن هنا فأن تطبيق هذه المادة يعني تأمين الاستقرار والسلام للعراق وإزالة أثار التغيرات الديموغرافية الظالمة التي مارسها نظام صدام بكل قسوة وعدوانية .
لقد تم تشكيل لجنة لتطبيق أحكام المادة 140 من الدستور العراقي في ظل حكومة السيد إبراهيم الجعفري , و اسندت رئاسة هذه اللجنة الى السيد حميد مجيد موسى كما خصصت الحكومة مبالغ قدرت ب 200 مليون دولار لأغراض عمليات التطبيع والأجراءات الأخرى , إلا ان هذه اللجنة لم تستلم اي مبلغ من التخصيصات سالفه الذكر مما تعذر على السيد حميد موسى الأستمرار في هذه المهمة , وحين انتهت فترة حكومة السيد الجعفري وجاءت حكومة جديدة ببرنامج جديد برئاسة السيد نوري المالكي جرى تشكيل اللجنة برئاسة وزير العدل السابق السيد هاشم الشبلي الذي مارس عمله وأصدر اربع قرارات على طريق تفعيل نص المادة 140 من الدستور. ومن بعده استقال السيد الشبلي وبقي منصبه شاغرا الى ان حل محله السيد رائد فهمي منذ أب عام 2007 .
وهذه التغيرات في رئاسة اللجنة والتعقيدات السياسية واللوجستية لم تفسح المجال لأنجاز تطبيق المادة 140 في موعدها المحدد وضمن السقف الزمني المرسوم في الدستور وفي الفقرة 22 من برنامج حكومة السيد نوري المالكي . وبالتالي استضاف برلمان كوردستان قبل أيام لجنة تطبيق المادة 140 وشرح رئيس اللجنة المشكلات العملية والمقترحات الواجبة لأنجاز تفعيل أحكام المادة سالفة الذكر.
ولما كان من غير المعقول إنجاز بقية فقرات خارطة الطريق لنص المادة المذكورة فأنه يمكن القول بأن لا خيار أمام اللجنة إلا بتمديد الفترة الزمنية أي السقف الزمني على الأقل لفترة إضافية أمدها 6 أشهر لأنجاز الأعمال والبنود الواجب تنفيذها حسب الدستور والقوانين وقرارات لجنة المادة 140 في التطبيع والأحصاء ومن ثم الأستفتاء .
ولكن ماهي الضمانات الدستورية والقانونية لتطبيق أحكامها في موعدها المحدد ؟ وما الحكم اذا لم تنفذ جميع الفقرات أو أخفقت اللجنة في إنجاز أعمالها ضمن فترة التمديد ؟ وهل تستطيع تمديد الفترة الزمنية الى فترة ثانية ؟
قبل الاجابة على هذه الاسئلة نود القول بأن بعض الأطراف السياسية المعروفة بأرتباطاتها الخارجية المشبوهه مع الاجهزة الاستخبارية في تركيا تدعي بان : ( عدم تنفيذ مادة كركوك الدستورية بنهاية العام يسقطها قانونيًا ).!!

بطلان إدعاءات الجبهة التركمانية
أطلعت على تصريحات غريبة ومخالفة للقواعد الدستورية والقانونية يذكر فيه ممثل الجبهة التركمانية في لندن السيد عاصف سرت لموقع إيلاف مايلي :
1-تدعي الجبهة التركمانية بأن عدم تنفيذ مادة كركوك الدستورية بنهاية العام يسقطها قانونيا .وهو إدعاء لا يجد له أي سند في الدستور ودليلنا على ما نقول ان نص المادة 142 المتعلقة بالتعديلات الدستورية قد حددت لها فترة 4 اشهر لغرض إنجاز هذه التعديلات الدستورية وقد انتهت دون إنجاز أي تعديل لأن الفترة لم تكن كافية وتم تمديدها رغم انتهاء السقف الزمني لها وسوف تمدد مرة ثانية لعدم اكمال هذه التعديلات الدستورية ولم تسقط أحكام المادة الخاصة بالتعديلات رغم انتهاء المدة , وكذا الحال بالنسبة لفترة إنشاء الأقاليم في الوسط والجنوب حسب المادة 118 من الدستور حيث مددت الفترة الى 18 شهرا لعدم كفاية المدة الواردة في المادة سالفة الذكر , كما ان فترة إنجاز دستور عام 2005 كانت قد حدد لها سقف زمني وهو 15 اب 2005 ولم تكتمل المسودة ضمن هذا االفترة الزمنية وانما انجزت المسودة في ديسمبر 2005 فهل سقط الدستور لهذا التأخير ؟ ويبدو ان الجبهة التركمانية لا تفرق بين الدستور والقانون عندما تقول بأن المادة 140 تسقط قانونيا , لأن المادة الدستورية لا يسقطها القانون فالدستور اعلى مرتبة في التدرج التشريعي من القانون
2- تدعو الجبهة التركمانية الى تطبيق قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية – المادة 58 - واعتبار بغداد وكركوك مستقلتين وعدم ضمهما الى أي إقليم , وهو زعم غير مشروع لانه لا يمكن الرجوع الى قانون ادارة الدولة للمرحلة الأنتقالية بعد نجاح الأستفتاء على دستور عراقي تمت كتابته من لجنة دستورية منتخبة من الجمعية الوطنية ووافق عليه اغلبية العراقيين وتم تشكيل الحكومة بموجبه , وبالتالي فهو الفيصل والمرجعية لحل جميع المشكلات الموروثة من النظام السابق ومنه تنطلق عملية بناء مؤسسات العراق الجديد . أما بالنسبة لمدينة بغداد فيجب ان تبقى مدينة مستقلة لا تنضم الى اي اقليم لانها عاصمة للدولة الفيدرالية , وهي المركز , وفيها مؤسسات الدولة العراقية الاتحادية , وهو مبدأ متعارف عليه ضمن بناء الشكل الفيدرالي للدول , وأما بالنسبة الى كركوك فقد رسم قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية في المادة 58 ومن بعدها دستور العراق الجديد في المادة 140 خارطة طريق لحل هذه المشكلة سواء بالنسبة الى كركوك وغيرها من المناطق المتنازع عليها لحين حل القضايا العالقة وحسب برنامج زمني يسمح بعمليات التطبيع والاحصاء ومن ثم الاستفتاء على مصيرها لتحديد إرادة مواطنيها وفقا للفترة الزمنية المحددة . ومن الجدير بالذكر إن أية دعوة الى اعتبار كركوك اقليما مستقلا سيثير مشكلات كبيرة وفي مقدمتها القبول بسياسات نظام صدام الجائرة وإضفاء الشرعية على حالات غير مشروعة لا من الجانب القانوني ولا من الناحية الشرعية.
3-ترى الجبهة التركمانية إن حلَّ هذه المشكلة ممكن التحقق في حال تطبيق بنود المادة بشفافية وبإشراف لجان دولية محايدة شرط الاستناد على الحقائق التاريخية والواقعية , ونحن نقول ان بنود المادة 140 تطبق بكل شفافية من لجنة محايدة ومؤلفة من شخصيات تضم مختلف القوميات واتباع الديانات وبأن قضية كركوك هي مسألة داخلية وعراقية بحتة لا يجوز اشراك طرف دولي فيها فضلا عن إن الحقائق التاريخية كلها تشير الى انها مدينة كوردستانية يسكنها اغلبية من الكورد وفقا الى احصاء عام 1957 حيث كانت نسبة الكورد48,3 % ونسبة (التركمان 21,5 % ) و الباقي من قوميات اخرى , ومما يعزز كلامنا هذا قول الفقيه القانوني استاذنا الدكتور حسن عبد الهادي الجلبي الذي قال بخصوص كركوك مايلي :(( أن حدود كركوك هي ضمن كردستان العراق ويلزم أن تتبع إلى حكومة إقليم كردستان لان أغلبية السكان هم من الكرد قبل وبعد إحصاء عام 1957 حيث كانت نسبة السكان الكرد التقريبية قبل إحصاء عام 1957 هي 51 % بينما شكل التركمان نسبة 21.5 % ووفقا إلى إحصاء عام 1957 وبفعل سياسة التعريب نزلت نسبة الكرد إلى 48.3 % وبينما كانت نسبة العرب في إحصاء عام 1957 هي 28.2 % ارتفعت إلى 44.41 % في إحصاء عام 1977 ونقصت نسبة الكرد في الإحصاء المذكور إلى 37.53 % و نزلت نسبة التركمان إلى 16.31 % .)).
4-يذكر ممثل الجبهة التركمانية بأنه : (( لدينا الآلاف من الادلة والوثائق الرسمية والتاريخية والواقعية التي تثبت خصوصية كركوك التركمانية، وأن كركوك لم تحمل غير هذه الخصوصية منذ الالاف السنين".)) ولاشك ان هذا التصريح يفتقد للمصداقية لان كل الوثائق التاريخية والقانونية بما فيها الوثائق العثمانية تشير الى الى ان كركوك ذات اغلبية كوردية وتابعة اداريا الى حدود كوردستان وكل الحكام الاداريين كانوا من الكورد قبل وصول البعث للسلطة ويكفي ان نشير الى آن موسوعة الأعلام للعلامة التركي شمس الدين سامي الذي آلفها عام 1896 م ص 3842 جاء فيها (( أن كركوك هي مدينه كردية وتقع في قلب كردستان )).
5-تدعي الجبهة التركمانية بان الكورد هم أقلية في مدينة كركوك وانهم استقدموا مئات الالاف من الكورد الى كركوك لتغيير هوية المدينة , ونحن نرى كطرف محايد ان هذا الادعاء ينقصه الدليل لا بل ان هناك مئات الالاف من الكورد من سكان هذه المدينة مايزالون يعيشون خارج كركوك واموالهم مصادرة ولم يعودوا اليها , أما لأن ظروف معيشتهم اجبرتهم البقاء خارج كوردستان او داخلها ولكن خارج مدينة كركوك .

التوصيات القانونية :
1-على الرغم من إننا كنا ضد فكرة تأجيل أو تأخير تطبيق المادة 140 , ومع تطبيقها ضمن الفترة الزمنية المحددة دستوريا إحتراما لأرادة الشعب الذي إستفتي على الدستور , ولكي ينعم العراق الفيدرالي بسلام وإستقرار من خلال حل مشكلاته الجوهرية الموروثة , ومع إدراكنا للاسباب والدوافع التي حالت دون تطبيق المادة في موعدها المحدد ومعرفتنا للجهات التي عرقلت تطبيق المادة , فاننا نرى بضرورة ايجاد حل دستوري لهذه الاشكالية, وذلك بتمديد فترة تطبيق المادة 140 لفترة 6 اشهر مثلا وأن يكون التمديد من مجلس النواب وذلك بادراج تعديل نص المادة 140 ضمن فقرات منهاج التعديلات الجارية على الدستور حسب احكام المادة 142 والتي جرى تمديد فترتها الزمنية مؤخرا وذلك لكي يتاح الى اللجنة الخاصة بتطبيق المادة 140 فترة كافية لأكمال ما بقى من فقراتها .
2-التأكيد على وجود ضمانات دستورية وقانونية تضمن تنفيذ اللجنة لجميع اعمالها ضمن الفترة الزمنية من 31 -12-2007 والى نهاية 30 -6-2008 علما بأن جميع الضمانات الدولية والوطنية السابقة لم تكن كافية لتنفيذ أحكام المادة 140 .
3-اذا لم تقدم السلطة التنفيذية التسهيلات الكافية والجدية لتطبيق أحكام المادة سالفة الذكر فان لقائمة التحالف الكوردستاني الحق في سحب الثقة من الحكومة وإسقاطها .
4-إن تأخير تنفيذ تطبيق المادة 140 بسبب ظروف وتعقيدات العمل في كركوك وغيرها من المناطق المتنازع عليها لا يعني أبدا إلغائها والتنازل عنها او سقوط المادة وعدم تفعليها كما يزعم أصحاب النوايا الخبيثة , وانما يمكن تمديد الفترة الزمنية لمعالجة المشكلات حسب الدستور , وان موقف الكورد واضح بشأن عدم إجبار العرب الوافدين على الرحيل عن المدينة بالقوة , وترك الخيار لهم مع تعويض مالي بهدف تصحيح الاوضاع , رغم أن القاعدة الشرعية والقانونية تقضي بما يلي : أن ما بني على باطل يكون باطلا , وان الحائز سئ النية لا يمكن ان يكون مالكا وانما يكون حكمه في حكم الغاصب شرعا وقانونا .
5-نعتقد إن أي حل لقضية كركوك والمناطق المتنازع عليها يجب أن يكون حلا وطنيا عادلا و بعيدا عن التدويل وتسيس الموضوع الذي هو قضية دستورية ووطنية بحتة .
6-ضرورة الأعتماد على إحصاء عام 1957 بالنسبة لعمليات الأحصاء والأستفتاء وان السجلات المتعلقة بهذا الموضوع متوفرة وواضحة وليست محلا للخلاف .
7-نوصي بتحديد مفهوم الأحصاء والاستفتاء دستوريا وقانونيا , إذ ان هناك مشكلة حقيقة في تحديد المشمولين بالأحصاء السكاني والاستفتاء الذي يقرر مصير المناطق المتنازع عليها . والسؤال الذي يثار هنا هو : هل ان الاستفتاء يجري في كل المحافظة ؟ أم ينحصر في مركز المدينة فقط ؟ ثم ما هي حدود المحافظة الادارية التي سيتم فيها الأحصاء والأستفتاء ؟ لذلك نعتقد بضرورة اعادة الأقضية والنواحي التي فصلها نظام الدكتاتور صدام عن كركوك وهي 5 اقضية ذات اغلبية كوردية ومن ثم إجراء الاحصاء فالاستفتاء , ولا يجوز إجراء الأحصاء والاستفتاء قبل ارجاع وتعديل الحدود الادارية لكركوك والمناطق الأخرى المتنازع عليها .

السويد
‏12‏/12‏/2007